العيني
42
عمدة القاري
وكان سنه يوم مات ثمانياً وخمسين سنة . قوله : ( وهم ) ، أي : البعث الذي هو الجيش ثلاثمائة أنفس . قوله : ( فني الزاد ) ، قال الكرماني : إذا فني فكيف أمر بجمع الأزواد ؟ فأجاب : بأنه إما أن يريد به فناء زاده خاصة ، أو يريد بالفناء القلة . قلت : يجوز أن يقال معنى : فنى : أشرف على الفناء . قوله : ( فكان مزودي تمر ) ، المزود ، بكسر الميم : ما يجعل فيه الزاد ، كالجراب . وفي رواية مسلم : بعثنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وزودنا جراباً من تمر لم يجد لنا غيره ، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة . قوله : ( لقد وجدنا فقدها حين فنيت ) ، أي : وجدنا فقدها مؤثراً شاقاً علينا ، ولقد حزنَّا لفقدها . قوله : ( ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت ) ، كلمة : إذا ، للمفاجأة ، والحوت يقع على الواحد والجمع ، وقال صاحب ( المنتهى ) : والجمع حيتان ، وهي العظام منها . وقال ابن سيدة : الحوت السمك اسم جنس ، وقيل : هو ما عظم منه ، والجمع أحوات . وفي كتاب الفراء : جمعه أحوته وأحوات في القليل ، فإذا كثرت فهي الحيتان . قوله : ( مثل الظرب ) ، بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء : مفرد الظراب ، وهي الروابي الصغار . وقال ابن الأثير : الظراب الجبال الصغار واحدها ظرب ، بوزن كتف ، وقد يجمع في القلة على : أظراب . قوله : ( ثماني عشرة ليلة ) ، كذا هو في نسخة الأصيلي ، وروي : ثمانية عشر ليلة ، وقال ابن التين : الصواب هو الأول . وروي : فأكلنا منه شهراً . وروي : نصف شهر ، وقال عياض : يعني : أكلوا منه نصف شهر طرياً ، وبقية ذلك قديداً . وقال النووي : من قال شهراً هو الأصل ومعه زيادة علم ، ومن روى دونه لم ينف الزيادة ، ولو نفاها قدم المثبت ، والمشهور عند الأصوليين أن مفهوم العدد لا حكم له فلا يلزم منه نفي الزيادة . وفي رواية مسلم : ( فأقمنا عليها شهراً ، ولقد رأيتنا تغترق من وقب عينه قلال الدهن ، ونقتطع منه الفدر ، كالثور ، ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً فأقعدهم في وقب عينه وتزودنا من لحمه وشائق ، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له ، فقال : هو رزق أخرجه الله لكم ، فهل معكم من لحمه شيى فتطعمونا ؟ قال : فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله ) . قوله : ( بضلعين ) ، ضبط بكسر الضاد وفتح اللام ، وقال في ( أدب الكاتب ) : ضلع وضلع . وقال الهروي : هما لغتان ، والضلع مؤنثة ، والوقب ، بفتح الواو وسكون القاف وبالباء الموحدة : هو النقرة التي يكون فيها العين . قوله : ( الفدر ) ، بكسر الفاء وفتح الدال المهملة وفي آخره راء : جمع فدرة ، وهي القطعة من اللحم ، ( والوشائق ) ، بالشين المعجمة : جمع وشيقة ، وهي اللحم القديد . وقيل : الوشيقة أن يؤخذ اللحم فيغلى قليلاً ولا ينضج ، فيحمل في الأسفار . وفي لفظ للبخاري : ( نرصد عيراً لقريش ، فأقمنا بالساحل نصف شهر فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط ، فسمي ذلك الجيش بجيش الخبط ، فألقى لنا البحر دابة يقال لها : العنبر ، فأكلنا منها نصف شهر وادَّهنَّا من ودكه حتى ثابت إلينا أجسامنا ) . وفي مسلم : قال أبو عبيدة : يعني بالعنبر ميتة ، ثم قال : لا بل نحن رسل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وفي سبيل الله عز وجل ، وقد اضطررتم فكلوا . ذكر ما يستفاد منه : قال القرطبي : جمعُ أبي عُبيدة الأزواد وقسمتها بالسوية إما إن يكون حكماً حكم به لِما شاهد من الضرورة وخوفه من تلف من لم يبق معه زاد ، فظهر له أنه وجب على من معه أن يواسي من ليس له زاد ، أو يكون عن رضاً منهم ، وقد فعل مثل ذلك غير مرة سيدنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ولذلك قال بعض العلماء هو سنَّة . وقال ابن بطال : إستدل بعض العلماء بهذا الحديث بأنه لا يقطع سارق في مجاعة ، لأن المواساة واجبة للمحتاجين وخصه أبو عمر بسرقة المأكل . وفيه : أن للإمام أن يواسي بين الناس في الأقوات في الحضر بثمن وغيره ، كما فعل ذلك في السفر . وفيه : قوة إيمان هؤلاء البعث ، إذ لو ضعف ، والعياذ بالله ، لما خرجوا وهم ثلاثمائة وليس معهم سوى جراب تمر أو مزودي تمر ، كما في الحديث المذكور . قال عياض : ويحتمل أن يكون ، صلى الله عليه وسلم ، زودهم الجراب زائداً عما كان معهم من الزاد من أموالهم ، ويحتمل أنه لم يكن في أزوادهم تمر غير هذا الجراب ، وكان معهم غيره من الزاد . وقيل : يحتمل أن الجراب الذي زودهم الشارع كان على سبيل البركة ، فلذا كانوا يأخذونه تمرة تمرة . وفيه : فضل أبي عبيدة ، ولهذا سماه الشارع : أمين هذه الأمة . وفيه : النظر في القوم والتدبير فيه وفضل الصحابة ، رضي الله تعالى عنهم ، على ما كان فيهم من البؤس وقد استجابوا لله وللرسول من بعدما أصابهم القرح . وفيه : رضاهم بالقضاء وطاعتهم للأمير . وفيه : جواز الشركة في الطعام خلط الأزواد في السفر إذا كان ذلك أرفق بهم .